القائمة الرئيسية

الصفحات

حين تُنتهك الطفولة… من يحمي الأضعف؟

حين تُنتهك الطفولة… من يحمي الأضعف؟



بقلم : أسماء شوقي 

ليست كل القضايا التي تهز الرأي العام مجرد أخبار تتصدر العناوين أو صور تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، فبعضها يطرح أسئلة تتجاوز حدود الواقعة نفسها، وتمس منظومة كاملة من القيم والمسؤوليات. وعندما يكون الضحية طفلًا، فإن القضية لا تعود شأنًا يخص أسرة بعينها أو مكانًا محددًا، بل تصبح قضية إنسانية تمس المجتمع بأسره.

فالطفولة ليست مرحلة عمرية فحسب، بل حق أصيل في الحياة الآمنة، والتعليم، واللعب، والنمو داخل بيئة تصون الجسد والنفس والعقل. ولهذا أكدت التشريعات الوطنية والمواثيق الدولية على توفير حماية خاصة للأطفال، باعتبارهم الفئة الأكثر عرضة للخطر والأقل قدرة على الدفاع عن حقوقهم.

وعندما تظهر إلى العلن وقائع تتحدث عن تعرض طفل للعنف أو الإيذاء، فإن احترام القانون يقتضي ترك مهمة تحديد المسؤوليات وإثبات الوقائع للجهات المختصة. غير أن ذلك لا يمنع من طرح الأسئلة الضرورية التي تساعد على منع تكرار مثل هذه الحوادث. فالقضية لا تقتصر على مساءلة من تثبت مسؤوليته، بل تمتد إلى مراجعة الظروف التي سمحت بوقوع الانتهاك، ومدى فاعلية منظومة الحماية المفترض أن تتدخل قبل الوصول إلى تلك المرحلة.

إن الأطفال لا يختارون البيئات التي يولدون أو يعيشون فيها، ولذلك فإن حمايتهم مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الأسرة، والدولة، والمؤسسات التعليمية، وأماكن العمل، ووسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، وكل من يستطيع التدخل أو الإبلاغ عند وجود طفل معرض للخطر.

وقد تدفع الظروف الاقتصادية بعض الأسر إلى إلحاق أبنائها بسوق العمل في سن مبكرة، إلا أن صعوبة المعيشة لا يمكن أن تكون مبررًا لتعريض الأطفال للاستغلال أو العنف أو الأعمال التي تهدد صحتهم وسلامتهم. فالفقر تحدٍّ اقتصادي، لكنه لا يسقط حق الطفل في الحماية والكرامة.

ولا يقتصر العنف على الاعتداء الجسدي، بل يشمل الإهانة، والتخويف، والإذلال، والإهمال، والاستغلال، وهي ممارسات قد تترك آثارًا نفسية عميقة تمتد لسنوات، فتؤثر في شخصية الطفل، وثقته بنفسه، وقدرته على التعلم، وعلاقاته الاجتماعية، ومستقبله بأكمله.

ومن هنا، فإن العدالة الحقيقية لا تقتصر على محاسبة المسؤولين وفقًا للقانون، بل تشمل أيضًا توفير الدعم الصحي والنفسي للأطفال المتضررين، وتعزيز آليات الوقاية، وتطبيق القوانين بفاعلية، ونشر الوعي بحقوق الطفل حتى لا تتكرر مثل هذه الوقائع.

كما ينبغي ألا يتحول الاهتمام المجتمعي بهذه القضايا إلى موجة عاطفية تنتهي بانتهاء تداول الخبر، بل يجب أن يكون دافعًا لإحداث تغيير حقيقي يرسخ ثقافة حماية الطفل ويعزز إجراءات الوقاية والمساءلة.

وتتحمل وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي مسؤولية كبيرة في تناول هذه القضايا بمهنية وإنسانية، بعيدًا عن الإثارة أو استباق نتائج التحقيقات، مع احترام خصوصية الأطفال وصون كرامتهم وعدم تحويل معاناتهم إلى مادة للانتشار أو التفاعل.

إن المجتمع الذي يحمي أطفاله هو مجتمع يحمي مستقبله. فكل طفل ينشأ في بيئة آمنة يصبح مواطنًا قادرًا على البناء والعطاء، بينما يترك العنف والإهمال جراحًا قد تمتد آثارها إلى المجتمع بأسره.

ولهذا فإن حماية الأطفال ليست عملًا خيريًا ولا مسؤولية ظرفية، بل واجب قانوني وأخلاقي وإنساني، يبدأ من الأسرة، ويمر بالمؤسسات، وتدعمه الدولة بالقوانين والرقابة، ويشارك فيه كل فرد يؤمن بأن كرامة الطفل وحقوقه ليست محل مساومة.

إن القضايا الإنسانية لا تُقاس بعدد الأيام التي تتصدر فيها عناوين الأخبار، وإنما بما تتركه من أثر في الضمير الجمعي، وبما تدفع إليه من إصلاحات حقيقية تعزز منظومة الحماية وتسد الثغرات وتمنع تكرار المأساة.

ويبقى الأمل أن تتحقق العدالة في كل قضية، وأن تتحول كل واقعة مؤلمة إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر أمنًا للأطفال، فلا يصبح أي طفل ضحية لصمت كان يمكن أن ينقذه، أو لإهمال كان بالإمكان تداركه، أو لتقصير كان واجبًا منعه.

وما يبعث الطمأنينة أن عدالة السماء لا تغيب، وأن الله سبحانه وتعالى لا يخفى عليه ظلم، ولا يضيع عنده حق، مهما طال الزمن أو تأخر القصاص، قال تعالى:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: 42]

تعليقات