القائمة الرئيسية

الصفحات

حين تختار نفسك.. لماذا لا يجب أن نعيش لإرضاء الآخرين؟

حين تختار نفسك.. لماذا لا يجب أن نعيش لإرضاء الآخرين؟



بقلم: أسماء شوقي 

في عالم السوشيال ميديا حيث تتسارع الأحداث وتتزاحم الآراء، يجد الإنسان نفسه يوميًا أمام اختبارات لا تتعلق فقط بما يريد أن يفعله، بل بما يتوقعه الآخرون منه. وبين الرغبة في القبول الاجتماعي والخوف من الرفض، يضيع كثيرون في محاولة مستمرة لإرضاء الجميع، حتى يكتشفوا متأخرين أنهم فقدوا أهم ما يملكون ذواتهم.

ففي خضم الحياة، وبين ضجيج الأصوات المتشابكة والنصائح المتناقضة، يقف الإنسان أحيانًا أمام مفترق طرق حقيقي؛ طريق يقوده إلى ذاته، وآخر يجرّه إلى ما يريده الآخرون. وهنا تبدأ الحكاية الأصعب، حكاية البحث عن النفس والتمسك بها رغم كل الضغوط والتحديات.

لقد أصبحت مجتمعاتنا اليوم أكثر انشغالًا بالحكم على الآخرين وأكثر ميلًا لفرض التوقعات عليهم. فالجميع يمتلك رأيًا فيما يجب أن تكون عليه، وكيف ينبغي أن تتصرف، وما القرارات التي عليك اتخاذها. ومع الوقت، قد يتحول الإنسان إلى مشروع لإرضاء الآخرين بدلًا من أن يكون صاحب مشروعه الخاص في الحياة.

لكن الحقيقة التي تؤكدها التجارب أن رضا الناس غاية لا تُدرك. فكلما حاول الإنسان أن يُرضي طرفًا، وجد طرفًا آخر غير راضٍ. وكلما غيّر من نفسه لينال القبول، اكتشف أن مطالب الآخرين لا تنتهي. وهكذا يدخل في دائرة مرهقة من التنازلات الصغيرة التي تتراكم حتى تُفقده ملامحه الحقيقية.

وربما تكمن المشكلة الأكبر في أن كثيرين يربطون بين اختيار النفس وبين الأنانية، بينما الفارق بينهما كبير. فاختيار النفس لا يعني تجاهل الآخرين أو التقليل من شأنهم، بل يعني احترام الذات وعدم السماح لأحد بمصادرة حق الإنسان في أن يكون كما هو. هو أن يتمسك المرء بمبادئه وقيمه، وأن يرفض أن يتحول إلى نسخة مصطنعة صُممت خصيصًا لإرضاء المحيطين به.

وقد مرّ كثيرون بتجربة السعي لإرضاء الجميع. تجربة تبدأ بحسن نية، لكنها غالبًا ما تنتهي بالإرهاق النفسي والشعور بالضياع. إذ يجد الإنسان نفسه موزعًا بين رغبات الآخرين وتوقعاتهم، حتى يفقد القدرة على معرفة ما يريده هو بالفعل. وعندما يحاول العودة إلى ذاته، يكتشف أنه أهملها طويلًا.

إلا أن الجميل في الأمر أن النفس الحقيقية لا تختفي تمامًا، بل تظل هناك تنتظر صاحبها. تنتظر لحظة الصدق التي يعترف فيها الإنسان بأنه لم يعد قادرًا على الاستمرار في أداء أدوار لا تشبهه. وعندما يعود إليها، يجدها أكثر نضجًا وقوة، وقد صقلتها التجارب والخيبات والدروس القاسية.

وفي زمن كثرت فيه الأقنعة وتبدلت فيه المواقف والمبادئ وفق المصالح والظروف، يصبح الصدق مع النفس عملة نادرة. فالإنسان الصادق مع ذاته لا يحتاج إلى تبرير شخصيته في كل مرة، ولا إلى تغيير قناعاته مع كل موجة جديدة من الآراء. إنه يعرف من يكون، وإلى أين يريد أن يصل، وما الثمن الذي يرفض دفعه مهما كانت الإغراءات.

إن أخطر ما يمكن أن يتعرض له الإنسان ليس الفشل أو الخسارة أو حتى الرفض، بل أن يعيش عمره كله وهو يؤدي دور شخص آخر. أن يستيقظ كل صباح مرتديًا شخصية لا تشبهه، ويقضي سنوات طويلة في محاولة إقناع العالم بصورة ليست صورته الحقيقية.

ولهذا فإن اختيار النفس ليس رفاهية ولا تمردًا على المجتمع، بل ضرورة للحفاظ على التوازن النفسي والكرامة الإنسانية. إنه القرار الذي يجعل الإنسان قادرًا على النظر إلى المرآة دون خجل، والوقوف أمام نفسه دون شعور بالندم.

في النهاية، قد لا يصفق الجميع لقراراتك، وقد لا يوافق الجميع على اختياراتك، لكن الأهم أن تكون أنت قادرًا على التعايش معها بسلام. فالعالم كله لا يستطيع أن يعوض إنسانًا خسر ذاته في سبيل إرضاء الآخرين، بينما يستطيع الإنسان الذي اختار نفسه أن يواجه الحياة كلها وهو ثابت الخطى، واضح الملامح، مؤمن بما هو عليه.

ولهذا، حين يأتي وقت الاختيار، اختر نفسك أولًا… لأنك إن خسرتها، فلن يعوضك عنها أحد

تعليقات