كتب : المستشار عبدالكريم مقلد
ورد ذكر "المن والسلوى" في قصص القرآن الكريم في ثلاثة مواطن، تعبيرًا عن نعم الله التي تفضل بها على بني إسرائيل بعد نجاتهم مع سيدنا موسى عليه السلام من بطش فرعون وجنده. وقد فاضت المعاني في كنه "المن والسلوى"، وأشهرها أن المن هو الكمأة، وهو فطر أرضي ينبت مع حركة المطر في الأماكن الصحراوية، أما السلوى فهو نوع من الطيور، وأشهرها طائر السمان.
ولكن نرى أن المعنى، خاصة في "المن"، أوسع من تضييقها في صنف الكمأة، لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكمأة من المن"، أي أنها صنف من المن كما نقول: البرتقال من الموالح، فليست كل الموالح هي البرتقال وحده.
وقد ورد سياق ذكر المن والسلوى في ثلاث آيات:
الأول مرتبط بماء السماء:
"وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" (البقرة: 57)
الثاني مرتبط بماء السماء وسقيا الأرض:
"وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَي عَشَرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًاۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُۥٓ أَنِ ٱضْرِب بِعَصَاكَ ٱلْحَجَرَۖ فَٱنْبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشَرَةَ عَيْنًاۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمۡۚ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" (الأعراف: 160)
الثالث مرتبط بموطن مكان الحدث:
"يَا بَنِيٓ إِسْرَٰٓءِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَعَدْنَٰكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ" (طه: 80)
وقد اعترض بني إسرائيل على عدم تنوع الطعام المرسل إليهم هبة من الله عليهم، وذلك في قوله تعالى:
"وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصْلِهَا" (البقرة: 61)
ومقاربة المعنى في سياق مجموع الآيات تشير إلى أن الحق سبحانه خصص لبني إسرائيل هذين الصنفين "المن والسلوى"، لعلهما كان لهما أثر علاجي لمعالجة الخلل في النظام الغذائي الذي نبت عليه بني إسرائيل في سنوات الاستعباد والاستبداد أثناء حكم فرعون.
المقاربة أنهم اعتادوا الغذاء الأدنى من البقوليات وغيرها، وعلى الرغم من القيمة الغذائية للبقوليات، إلا أن الاستهلاك الزائد قد يسبب الأمراض ويحدث خللًا في منظومة التمثيل الغذائي. وأشهر الأمراض المقترنة بذلك: مرض النقرس، وأمراض الجهاز الهضمي، والقولون، والانتفاخات والغازات. وهذه الأمراض لها أثر مباشر على النشاط الحركي والصفاء الذهني.
لذلك كان الفضل من الله لهم بهذين الصنفين على وجه التحديد لما فيهما من عناصر تقيم التكوين الغذائي في استواء وكمال.
أما "المن"، فالمقاربة فيه أنه يضم عددًا من الأغذية المتنوعة، منها ما هو مرتبط بماء السماء وهو الكمأة كما ورد بشأنها الحديث، ومنها ما هو مرتبط بماء وسقيا الأرض، والمقاربة أنه يضم من الأغذية الزراعية الصحية، فنقول إن منها التين والزيتون.
ويُقترن ذكرهما بموطن مكان الحدث بطور سيناء، كما يرتبط بكمال فطرة الخلقة، في قوله تعالى:
"وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)" (التين)
وقوله تعالى في فضل الزيتون وزيته:
"وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيِنَآءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْأَكِلِينَ" (المؤمنون: 20)
والقول إن اعتراض بني إسرائيل كان منصرفًا لوجود طعام واحد، فهذا لا يعني وحدة الصنف، والدليل أن أقلها كان "المن والسلوى"، وهما صنفان اثنان وليس واحدًا. أما مقصود بني إسرائيل بالطعام الواحد فهو الثابت الذي لا يتغير عن يومهم.
وإذا جمعنا الأغذية المختارة من الله لبني إسرائيل، والممثلة في التين والزيتون وزيته والكمأة وطائر السمان، نجد تكاملًا متوازنًا من مختلف الأصناف التي تقيم شبيبة الجسم في كمال واستواء، يتناسب مع كمال التكليف الجسماني والحركي والذهني في رسالة الإيمان ، وسيظل " المن والسلوى " رمزا من الرموز الدالة على جحود بني إسرائيل نعمة وفضل الله .
وللحديث بقية…
الكاتب: عبد الكريم مقلد
تعليقات
إرسال تعليق