القائمة الرئيسية

الصفحات

بين شغف الابن وحلم الوالدين… من يرسم ملامح الغد؟

​بين شغف الابن وحلم الوالدين… من يرسم ملامح الغد؟



بقلم د/سهير سيد الخبير التربوي

​مع كل صيف، تعيش آلاف الأسر حالة فريدة من حبس الأنفاس في انتظار نتيجة الثانوية العامة. تتسارع دقات القلوب، وتتقاطع المشاعر بين أمَلٍ يترقب الفرحة، وخوفٍ يخشى الخيبة. غير أن هذه اللحظات، مهما بلغت حِدّتها، ليست سوى الفصل الأول من الحكاية؛ إذ يعقبها امتحانٌ أشدّ عمقًا وأطول أثرًا: امتحان الاختيار.

​وفي خضم الانشغال بـ "المجموع" و"التنسيق"، ننسى أحيانًا أن نتوقف لنطرح السؤال الأكثر جوهرية: من يملك حق تحديد بوصلة هذا المستقبل؟
​نية الحب… وحقيقة القرار
​في كثير من البيوت، يُصبح الطالب، وهو صاحب القصة بأكملها، الصوت الأكثر خفوتًا على طاولة النقاش. يجتمع الآباء والأمهات بقلوب تُحركها عاطفة جياشة ورغبة صادقة في التوجيه؛ فمنهم من يرى في الكلية فرصة لاستكمال حلمٍ قديم لم يتحقق، ومنهم من يبحث عن الأمان الاجتماعي والمكانة الشائعة.

​إنها دوافع نابعة من الحب بلاشك، ولكن… هل يكفي الحب وحده لاتخاذ قرار سيعيشه الإنسان لأربعين عامًا قادمة؟
​إن أعظم ما يقدمه الوالدان لأبنائهما ليس فرض الطريق الذي يريانه، بل منحهم المساحة والثقة لاكتشاف الطريق الذي يمتلكون مقومات النجاح فيه.
​الكلية ليست مجرد "مجموع"
​إن المجموع الرقمي الذي تحمله ورقة النتيجة هو قياسٌ لمرحلة زمنية انقضت، ولكنه ليس بأي حال من الأحوال حصرًا لإمكانات الشاب أو قدراته الذاتية.
​قبل أن نسأل: «ما الكلية التي يتطلبها هذا المجموع؟»
الواجب أن نسأل: «ما الشغف الذي يملأ روح هذا الطالب؟ وأين يستطيع أن يبدع ويقدم قيمة حقيقية لنفسه ولوطنه؟»
​فالنجاح الحقيقي لا يكمن في المسمى الوظيفي أو نظرة المجتمع التقليدية للأسماء الفضفاضة، بل يكمن في الإتقان والتطور المستمر. وكم من اسم براقٍ خبا بريقه حين دخله صاحبه بلا شغف، وكم من مجالٍ بدا بسيطًا صنع فيه أصحابه فارقًا واستثنائيًا لأنهم أحبوا ما يعملون.
​الأوطان تُبنى بتكامل العقول
​لا يمكن لمجتمعٍ أن ينهض بتخصص واحد أو اثنين؛ فنهضة الأوطان تُنسَج من تكامل كل التخصصات. الوطن يحتاج الطبيب الماهر، والمهندس المبتكر، والمعلم الملهِم، والمبرمج المبدع، والمحاسب الدقيق، ورائد الأعمال الجريء. كل ثغرٍ في هذا البناء هو ثغرٌ حيوي لا يقل أهمية عن غيره، طالما وُجد فيه من يتقنه ويؤديه بإخلاص.
​الحوار… جسر الأمان الأسري
​تكمن المسؤولية الأكبر اليوم في فتح باب الحوار الواعي داخل الأسرة:
​أن يستمع الأب بقلبٍ مفتوح.
​أن تصغي الأم بتفهم وإدراك.
​وأن يعبّر الابن أو الابنة عن طموحاته ومخاوفه بكل حريّة.
​إن القرارات الصائبة لا تُولد من الضغط والمقارنات، بل تتبلور من خلال الاستماع الواعي والثقة المتبادلة.
​«إن نتيجة الثانوية العامة قد تُعلن مجموعًا دراسيًا، لكنها أبدًا لا تُعلن مستقبلًا مُحتمًا. فالمستقبل لا تصنعه الأرقام وحدها، بل يصنعه شغف حقيقي، وقرار شجاع، وأسرةٌ أدركت أن نجاح ابنها يكمن في أن يكون هو… لا أن يكون نسخة من تطلعات الاخرين.

تعليقات